الشيخ محمد اليعقوبي

33

خطاب المرحلة

ويكفيك أن تقوم برحلة بين دعاء الصباح والمناجاة الشعبانية ودعاء كميل ، وتسرح نظرك في نهج البلاغة لتخرج بحصيلة وافرة من المعرفة بالله سبحانه : ( فَلَئِنْ صَيَّرْتَنى لِلْعُقُوباتِ مَعَ أَعْدائِكَ ، وَجَمَعْتَ بَيْني وَبَيْنَ أهل بَلائِكَ ، وَفَرَّقْتَ بَيْني وَبَيْنَ أَحِبّائِكَ وَأَوْليائِكَ ، فَهَبْني يا إِلهي وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ ، وَهَبْني صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إلى كَرامَتِكَ ، أَمْ كَيْفَ أَسْكُنُ فِي النّارِ وَرَجائي عَفْوُكَ ) . ( لا إِلهَ إلّا أَنْتَ ، سُبْحانَكَ اللّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، مَنْ ذا يَعْرِفُ قَدْرَكَ فَلا يَخافُكَ ، وَمَن ذا يَعْلَمُ ما أَنْتَ فَلا يَهابُكَ ) . ( إِلهي إِنْ حَرَمْتَني فَمَنْ ذَا الَّذي يَرْزُقُني ، وَإِنْ خَذَلْتَني فَمَنْ ذَا الَّذي يَنْصُرُني . . . إِلهي إِنْ أَخَذْتَني بِجُرْمي أَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ ، وَإِنْ أَخَذْتَني بِذُنُوبي أَخَذْتُكَ بِمَغْفِرَتِكَ ، وَإِنْ أَدْخَلْتَني النّارَ أَعْلَمْتُ أَهْلَها أَنّي أُحِبُّكَ ، إِلهي إِنْ كانَ صَغُرَ في جَنْبِ طاعَتِكَ عَمَلي ، فَقَدْ كَبُرَ في جَنْبِ رَجائِكَ أَمَلي ) . لقد رسمت هذه المعرفة المتكاملة بالله سبحانه فلسفته في الحياة ، وحددّت ملامح شخصيته والتي منها : الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بزخارفها ؛ لأنه يعلم أنها فانية ولا تستحق شيئاً بإزاء ما أعدّ الله سبحانه في دار الكرامة لمن أعرض عنها ، وفي الحديث ( لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء ) « 1 » ، وكان هذا الإعراض عن الدنيا شرطاً لتشريفهم بهذا المقام الرفيع ، ففي دعاء الندبة : ( إِذِ اخْتَرْتَ لَهُمْ جَزيلَ ما عِنْدَكَ مِنَ النَّعيمِ الْمُقيمِ الَّذي لا زَوالَ لَهُ وَلَا اضْمِحْلالَ ، بَعْدَ أَنْ شَرَطْتَ عَلَيْهِمُ الزُّهْدَ في دَرَجاتِ هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ وَزُخْرُفِها وَزِبْرِجِها ، فَشَرَطُوا لَكَ ذلِكَ ، وَعَلِمْتَ مِنْهُمُ الْوَفاءَ بِهِ فَقَبِلْتَهُمْ

--> ( 1 ) بحار الأنوار : 43 / 20 .